المقريزي

252

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

في أيامه أرض مصر ، ونقص الزرع وأجدبت النواحي لانهماكه في ضلاله وظلمه وإقباله على لهوه ولعبه ، وإنّ الناس اقتدوا به ففشا ظلم بعضهم لبعض ، وإنه لما أقبل الطوفان ، وسحت الأمطار ، قام سكران يريد الهرب إلى الهرم ، فتخلخلت الأرض به ، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط يخور ، حتى هلك ، وهلك من دخل الأسراب بالغم ، واللّه تعالى أعلم . ذكر مدينة منف وملوكها هذه المدينة كانت في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر ، وهي أوّل مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان ، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التي تقدّم ذكرها ، إلى أن أخربها بخت نصر ، وقد ذكرها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [ القصص / 15 ] . قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في كتاب جامع البيان في تفسير القرآن ، عن السديّ : أنّه قال : كان موسى عليه السلام حين كبر يركب ، كمراكب فرعون ، ويلبس مثل ما يلبس ، وكان إنما يدعى : ابن فرعون ، ثم إنّ فرعون ركب مركبا ، وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى عليه السلام قيل له : إنّ فرعون قد ركب ، فركب في إثره فأدركه المقيل في أرض يقال لها : منف ، فدخلها نصف النهار ، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد ، وهي التي يقول اللّه جلّ ذكره : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [ القصص / 15 ] . قال ابن عبد الحكم ، عن عبد اللّه بن لهيعة : أوّل من سكن بمصر بعد أن أغرق اللّه قوم نوح عليه السلام ، بيصر بن حام بن نوح ، فسكن منف ، وهي أوّل مدينة عمرت بعد الطوفان هو وولده ، وهم ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد قد بلغوا وتزوّجوا ، وهم : مصر وفارق وماج وياج وبنو بيصر ، وكان مصر أكبرهم ، فبذلك سميت : مافه ، ومافه بلسان القبط ثلاثون ، وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم ، ونقروا هناك منازل كثيرة . وقال ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك : ومدينة منف هي ( مدينة فرعون ) التي كان ينزلها ، واتخذ لها سبعين بابا من حديد ، وجعل حيطان المدينة من الحديد والصفر ، وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سريره ، وهي أربعة ، ويروى أنّ مدينة منف كانت قناطر وجسورا بتدبير ، وتقدير حتى أنّ الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها ، فيحبسونه كيف شاءوا ، ويرسلونه كيف شاءوا ، فذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الزخرف / 51 ] ، وكان بها كثير من الأصنام لم تزل قائمة إلى أن سقطت فيما سقط من الأصنام في الساعة التي أشار فيها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى الأصنام ، يوم فتح مكة بقضيب في يده ، وهو يطوف حولها ، ويقول : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء / 81 ] فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع ، وفي تلك الساعة سقطت أصنام الأرض من الشرق